Hadith

Elke week selecteren we een authentieke hadith om te delen, voorzien van duidelijke uitleg. Ontdek de tijdloze wijsheid van onze geliefde Profeet (vrede zij met hem) en pas deze toe in je dagelijks leven.

Khutbah

Welkom op onze pagina met Jummah Khutba's! Hier vind je een verzameling van betekenisvolle en inspirerende khutba's die je kunt gebruiken tijdens het vrijdaggebed. Of je nu een imam bent die op zoek is naar een kant-en-klare khutba, of een moslim die meer wil leren over islamitische lessen, deze khutba's zijn geschreven om je te helpen bij het overbrengen van waardevolle boodschappen aan de gemeenschap.


Elke khutba is zorgvuldig samengesteld op basis van de Quran, Hadith en islamitische bronnen, en behandelt diverse onderwerpen zoals geloof, moraliteit, sociale verantwoordelijkheid en actuele kwesties. We hopen dat deze khutba's een bron van kennis, reflectie en spirituele groei zullen zijn voor jou en je gemeenschap.

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.)يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]  [آل عمران 102].

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ: يَسْتَقْبِلُ أَبْنَاؤُنَا وَبَنَاتُنَا عَامًا دِرَاسِيًّا جَدِيدًا، عَامًا يَتَعَلَّمُونَ فِيهِ الْعِلْمَ، وَيَكْتَسِبُونَ فِيهِ الْمَعْرِفَةَ، فَفَضْلُ الْعِلْمِ عَظِيمٌ، وَجَزَاؤُهُ عِنْدَ اللهِ كَبِيرٌ؛ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : ] يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ]  [المجادلة:11]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا : ] وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا]  [طه:114].

وَأَوَّلُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ نُزِّلَتْ عَلَى رَسُولِنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ : ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]  [العلق:1]،وَذَلِكَ لِبَيَانِ أَهَمِّيَّةِ الْعِلْمِ، وَضَرُورَةِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّعْلِيمِ.

 وَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَبَيَّنَ فَضْلَ الْعُلَمَاءِ؛ فَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً؛ سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].

إِخْوَةَ الإِيمَانِ: إِنَّ الْعِلْمَ النَّافِعَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَيُورِثُ الْخَشْيَةَ وَالْخَوْفَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]  [فاطر:28].

وَلَقَدْ حَثَّ الشَّرْعُ الْحَكِيمُ عَلَى اكْتِسَابِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَالْمَعَارِفِ الْمُفِيدَةِ، بَلْ حَثَّ عَلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِهَا، وَالْحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلَى تَحْصِيلِهَا؛ فَهِيَ طَرِيقٌ إِلَى الرُّقِيِّ وَالإِعْمَارِ، وَسَبِيلٌ إِلَى التَّقَدُّمِ وَالِازْدِهَارِ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِتَعَلُّمِ لُغَةِ الْيَهُودِ، فَتَعَلَّمَهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْماً كَمَا فِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَمَرَّ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بِبَعْضِ الأَنْصَارِ وَهُمْ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَأَخْبَرُوهُ بِالتَّلْقِيحِ ...، فَقَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].

طَلَبَةَ الْعِلْمِ الْكِرَامَ: اجْتَهِدُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَاحْرِصُوا عَلَى اكْتِسَابِ الْمَعْرِفَةِ؛ فَبِهِ تَتَقَدَّمُونَ، وَبِسَبَبِهِ تَفُوزُونَ، فَالْجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ فِي الطَّلَبِ وَالتَّحْصِيلِ، وَالْبُعْدَ كُلَّ الْبُعْدِ عَنِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ؛ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ؛ لِأَنَّهُمَا يُورِثَانِ الْجَهْلَ وَالتَّخَلُّفَ.

وَلْيَحْرِصِ الطَّالِبُ عَلَى بَذْلِ أَسْبَابِ التَّفَوُّقِ وَالنَّجَاحِ، وَمِنْهَا الْحُضُورُ وَالْمُتَابَعَةُ الدَّائِمَةُ لِلدُّرُوسِ، وَالْحِرْصُ عَلَى التَّفَاعُلِ وَأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ، كَمَا يَحْرِصُ عَلَى إِيجَادِ الرُّفْقَةِ الصَّالِحَةِ الْمُتَفَوِّقَةِ؛ فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ التَّفَوُّقِ وَالنَّجَاحِ.

كَمَا يَجِبُ عَلَى الطَّالِبِ الْبُعْدُ عَنِ الطُّرُقِ الْمُلْتَوِيَةِ، وَالسُّبُلِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي التَّحْصِيلِ الْعِلْمِيِّ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ]. فَمَنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ مَبْنِيَّةً عَلَى الْغِشِّ؛ فَمَآلُهُ إِلَى الْفَشَلِ وَالْخُسْرَانِ.

وَلْيَكُنْ لَكُمْ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَإِرَادَةٌ صَادِقَةٌ؛ فَإِذَا كَانَتِ الْبِدَايَاتُ عَسِيرَةً كَانَتِ النِّهَايَاتُ يَسِيرَةً.

أَيُّهَا الْمُعَلِّمُونَ الْفُضَلَاءُ:لَقَدْ أَوْدَعَ أَوْلِيَاءُ الْأُمُورِ إِلَيْكُمْ أَوْلَادَهُمْ، وَاسْتَأْمَنُوكُمْ عَلَى فِلْذَاتِ أَكْبَادِهِمْ، فَأَدُّوْا الْأَمَانَةَ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَظْهِرُوا الْجِدَّ وَالِاجْتِهَادَ فِي تَحَمُّلِهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَقُومُ لِلْعِلْمِ قَائِمَةٌ، وَلَا يَسْتَقِيمُ لِلتَّحْصِيلِ فَائِدَةٌ إِلَّا بِوُجُودِ مُعَلِّمٍ صَادِقٍ أَمِينٍ، وَمُرَبٍّ فَاضِلٍ حَكِيمٍ، مِمَّنْ يُخْلِصُ فِي عَمَلِهِ، وَيُبْدِعُ فِي عَطَائِهِ؛ وَفِي الْحَدِيثِ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ].

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.



الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَاماً عَلَى عَبْدِهِ الَّذِي اصْطَفَى، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَفَى.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نَجَاحِ الطُّلَّابِ وَتَفَوُّقِهِمْ وُجُودَ وَلِيِّ أَمْرٍ حَرِيصٍ، يَحْرِصُ عَلَى مُتَابَعَةِ أَوْلَادِهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي مُسَاعَدَةِ فِلْذَةِ كَبِدِهِ، فَهَذَا مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ الْمَنُوطَةِ بِهِ تُجَاهَ أَوْلَادِهِ، وَمِنْ تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَوْلَاهَا اللهُ إِيَّاهُ.

لَمَّا كَانَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ صَغِيرًا كَانَتْ أُمُّهُ تُلْبِسُهُ أَحْسَنَ الثِّيَابِ، ثُمَّ تَقُولُ لَهُ: (يَا بُنَيَّ، اذْهَبْ إِلَى مَجْلِسِ رَبِيعَةَ، وَاجْلِسْ فِي مَجْلِسِهِ، وَخُذْ مِنْ أَدَبِهِ، قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ عِلْمِهِ).

إِخْوَةَ الإِسْلَامِ: إِنَّ الْمُعَلِّمَ وَالْمُعَلِّمَةَ مِنَ الْعَنَاصِرِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْمَدْرَسَةِ خَاصَّةً وَفِي الْمُجْتَمَعِ عَامَّةً، وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَهَمِّيَّةَ دَوْرِهِمُ الْكَبِيرِ وَأَثَرِهِمُ الْعَظِيمِ؛ لِذَا يَنْبَغِي أَنْ نَكُونَ مَعَهُمْ يَدًا وَاحِدَةً فِي الْأَخْذِ بِأَيْدِي أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا لِلْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَمِنْ هَذَا الْوَاجِبِ: أَنْ نَغْرِسَ فِي أَوْلَادِنَا حُبَّ الْعِلْمِ، وَاحْتِرَامَ الْمُعَلِّمِ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا وَاحْتَرَمَهُ اسْتَفَادَ مِنْهُ، وَمَنْ وَقَّرَ شَيْئًا وَعَظَّمَهُ تَعَلَّمَ مِنْهُ.

إِنَّ الْمُعَلِّــــمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا       لَا يَنْصَحَانِ إِذَا هُمَا لَمْ  يُكْرَمَا

فَاصْبِرْ لِدَائِكَ إِنْ أَهَنْتَ طَبِيبَهُ       وَاصْبِرْ لِجَهْلِكَ إِنْ أَهَنْتَ مُعَلِّمَا

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَنَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلاَيَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ، لَا رَافِعَ لِمَا وَضَعَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا وَاصِلَ لِمَا قَطَعَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْلَى مِنَ الإِنْعَامِ وَصَنَعَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ شَهَادَةَ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ واتَّبَعَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُتَّبَعُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ وَالْكُفْرُ قَدْ عَلَا وَارْتَفَعَ، فَأَهْبَطَهُ مِنْ عَلْيَائِهِ وَقَمَعَ، وَسَرَى الإِسْلَامُ مَكَانَهُ وَاتَّسَعَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَا سَجَدَ مُصَلٍّ للهِ وَرَكَعَ.


أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقَوْا اللهَ- عِبَادَ اللهِ- فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَحَافِظُوا عَلَى الفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَاحْذَرُوا الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ؛ تَفُوزُوا بِرِضْوَانٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّاتِ عَدْنٍ، قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (    [الحشر : 18] .


أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ: يَتَفَضَّلُ رَبُّنَا عَلَى عِبَادِهِ بِلَيَالٍ مُبَارَكَاتٍ ،وَمَوَاسِمَ لِلطَّاعَاتِ، فَيَغْتَنِمُ المُوَفَّقُونَ لَحَظَاتِهَا، ، وَيَتَدَارَكُ الصَّالِحُونَ سَاعَاتِهَا، فَقَدْ مَضَتْ أَكْثَرُ لَيَالِي رَمَضَانِ الخَيْرِ وَأَوْشَكَتْ عَلَى الاِرْتِحَالِ، وَأَقْبَلَتْ لَيَالِي العَشْرِ الأَخِيرَةُ الَّتي هِيَ خَيْرُ اللَّيَالِي ، وَصَفَتْ أُمُّنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا حَالَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فِيهَا فَقَالَتْ : «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَمَعَ كَثْرَةِ قِيَامِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم طَوَالَ العَامِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُ شَأْنٌ آخَرُ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي العَشْرِ، تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَيْضًا:« كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ]


وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْتَهِدُ اجْتِهَادًا خَاصًّا زِيَادَةً عَلَى العَادَةِ فِي هَذِهِ العَشْرِ، وَيَزِيدُ فِي أَنْوَاعِ العِبَادَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَقِيَامٍ وَقِرَاءَةٍ لِلْقُرْآنِ وَذِكْرٍ وَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ، فَإِنَّ مَعْنَى أَحْيَا لَيْلَهُ: اسْتَغْرَقَهُ


 بِالصَّلَاةِ وَالعِبَادَةِ، وَإِنَّ مَعْنَى أَيْقَظَ أَهْلَهُ: أَيْقَظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ، وَمَعْنَى شَدَّ مِئْزَرَهُ: هُوَ الاِجْتِهَادُ فِي العِبَادَاتِ، وَاعْتِزَالُ النِّسَاءِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ: كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ»[ رَوَاهُ أبُودَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ ].


أُمَّةَ الإِسْلَامِ: فِي العَشْرِ لَيْلَةٌ هِيَ أُمُّ اللَّيَالِي، كَثِيرَةُ البَرَكَاتِ، عَظِيمَةُ الخَيْرَاتِ، العَمَلُ فِيهَا عَظِيمٌ، وَالفَضْلُ فِيهَا كَرِيمٌ، )لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( [القدر:3]، تَشْهَدُهَا جُمُوعٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ  ، )تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ( [القدر:4]، لَيْلَةُ سَلَامٍ وَبَرَكَاتٍ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «يَكْثُرُ نُزُولُ المَلَائِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا«، وَالمَلَائِكَةُ يَنْزِلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ الْبَرَكَةِ والرَّحْمَةِ، كَمَا يَنْزِلُونَ عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ ،وَيُحِيطُيونَ بِحَلَقِ الذِّكْرِ، وَيَضَعُونَ أَجْنِحَتَهُمْ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِصِدْقٍ تَعْظِيمًا لَهُ.


سَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [رَوَاهُ أَحْمَدُ و التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْـمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].


 عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الرَّابِحِينَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي هُمْ أَهْلُ القِيَامِ؛ فَهُمُ الْمَوْعُودُونَ بِوَفِيرِ العَطَاءِ وَالْمَجْزِيُّونَ بِخَيْرِ الجَزَاءِ، قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا:) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( [السجدة:16-17]، قِيلَ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ : مَا بَالُ الْمُتَهَجِّدِينَ أَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا؟ فَقَالَ: «لأَنَّهُمْ خَلَوْا بِالرَّحْمَنِ فَفَاضَ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ.«


فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الْهَيْثَمِيُّ].


وَلَا عَجَبَ أَنْ يَبْلُغَ قِيَامُ اللَّيْلِ بِالمُؤْمِنِ ذَلِكَ المَبْلَغَ؛ فَقِيَامُ اللَّيْلِ هُوَ دَأْبُ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ سَلْوَةُ الطَّائِعِينَ، حَثَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«... وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ  وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ »[ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ  رضي الله عنهوَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ وَالأَرْنَاؤُوطُ] ،وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].


وَمِمَّا تَجِبُ العِنَايَةُ بِهِ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي: الحِرْصُ عَلَى أَدَاءِ صَلَاةِ القِيَامِ جَمَاعَةً، بِتَمَامِ رُكُوعِهَا وَخُشُوعِهَا كَامِلَةً مَعَ الإِمَامِ؛ لِقَوْلِهِ  صلى الله عليه وسلم :«إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].


 بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِيمَا سَمِعْنَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسَتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ .


 


الخطبة الثانية


الحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ.


أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ: لَقَدْ كَانَ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ اللَّيَالِي: سُنَّةُ الاِعْتِكَافِ، وَمَقْصُودُهَا الأَعْظَمُ قَطْعُ العَلَائِقِ عَنِ الخَلَائِقِ، وَإِقْبَالُ العَبْدِ عَلَى المَعْبُودِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يَقُولُ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «كَانَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم يَعْتَـكـفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ»[ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : «أَنَّ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ] ، فَالاِعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى لَحِقَ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى. وَالْمُعْتَـكِفُ يَدْخُلُ بِكَرَمِ اللهِ وَفَضْلِهِ فِي قَوْلِهِ  صلى الله عليه وسلم: «مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْـمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ» [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَا جَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ].


قَالَ الإِمَامُ الزُّهْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «عَجَباً لِلْمُسْلِمِينَ تَرَكُوا الِاعْتِكَافَ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا تَرَكَهُ مُنْذُ قَدِمَ الـمَدِينَةَ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ».


فَافْتَقِرُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ العَشْرِ بِالاِعْتِكَافِ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، فَهُوَ دَوَاءٌ نَافِعٌ لِمُعَالَجَةِ صَدَأِ القُلُوبِ وَقَسْوَتِهَا، وَلِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَرِفْعَتِهَا؛ يَقُولُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فَضِيلَةُ الزَّمَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِكَثْرَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الفَضَائِلِ،  وَإِذَا قَرُبَ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ لَطَفَ اللهُ بِهِ، وَسَاقَ إِلَيْهِ الإِحْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَعَصَمَهُ مِنَ الشَّرِّ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَرَفْعَهُ إِلَى أَعْلَى المَرَاتِبِ بِأَسْبَابٍ لَا تَكُونُ مِنَ العَبْدِ عَلَى بَالٍ».


هَذَا وَصَلُّوا عَلَى إِمَامِ الهُدَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ الَأَنَامِ، كَمَا أَمْرَكُمْ رَبُّكـُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ([الأحزاب:56].


هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلاَيَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ, وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[ [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71].


اما بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ.

أَحِبَّتِي فِي اللهِ: إِنَّ هُنَاكَ وَظَائِفَ شَرْعِيَّةً فِي رَمَضَانَ بَيَّنَهَا رَسُولُنَا الْكَرِيمُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بِسُنَّتِهِ الْقَوْلِيَّةِ وَسِيرَتِهِ الْعَمَلِيَّةِ، وَهَذِهِ الْوَظَائِفُ تَتَضَمَّنُ أُمُوراً مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَشْمَلُ شَهْرَهُ كُلَّهُ فِي أَوَّلِهِ وَوَسِطِهِ وَآخِرِهِ،

وَعَلَى هَدْيِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم يَكُونُ مَنْهَجُ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَسِيرُ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ كَيْ يَظْفَرَ بِالْقَبُولِ وَالرِّضْوَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى:

أَوَّلاً: الإِحْسَانُ فِي الصِّيَامِ؛ فَالْعِبْرَةُ -أَيُّهَا الأَحْبَابُ- لَيْسَتْ بِتَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَقَطْ، وَلَكِنْ بِحُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ حَالِنَا عِنْدَ رَبِّنَا بِصِيَامٍ كَرِيمٍ، وَالإِحْسَانِ فِيهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

وَمِثْلُهُ حِفْظُ النَّفْسِ مِنَ الاِقْتِرَابِ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يَخْدِشُ أَوْ يُزَلْزِلُ بُنْيَانَ الصِّيَامِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]، فَإِذَا صَامَ الْمُؤْمِنُ صَامَ مَعَهُ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَلِسَانُهُ وَجَمِيعُ جَوَارِحِهِ، وَلاَ يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِهِ وَيَوْمُ فِطْرِهِ سَوَاءً، وَعَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَحْذَرَ الْغَضَبَ بِحُجَّةِ أَنَّهُ صَائِمٌ، إِذْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ سَبَباً فِي سَكِينَةِ نَفْسِهِ لاَ فِي ثَوْرَتِهَا، وَإِذَا ابْتُلِيَ بِجَاهِلٍ أَوْ شَاتِمٍ فَلاَ يُقَابِلْهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، بَلْ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَعِظَهُ وَيَنْصَحَهُ.

ثَانِياً: إِحْيَاءُ لَيْلِهِ بِالْقِيَامِ: فَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، وَهِيَ قِيَامُ رَمَضَانَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَهُ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، قَالَ تَعَالَى: )وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ( [الفرقان:64].

وَيُسْتَحْسَنُ أَنْ يَقُومَ الْمُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْتَهِيَ لِيُكْتَبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ فَقَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ].

ثَالِثاً: الدُّعَاءُ: وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُلِحَّ عَلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي حَالِ صِيَامِهِ، وَعِنْدَ سَحُورِهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟»

[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]

وَوَرَدَ الْحَثُّ عَلَى الدُّعَاءِ فِي حَالِ الصِّيَامِ وَعِنْدَ الإِفْطَارِ، وَأَنَّ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُسْتَجَابَةِ دُعَاءَ الصَّائِمِ حَتَّى يُفْطِرَ أَوْ حِينَ يُفْطِرُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالدُّعَاءِ وَتَكَفَّلَ بِالإِجَابَةِ، فَقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ( [غافر:60].

رَابِعاً: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ: فَشَهْرُ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ( [البقرة:185].

وَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَدَارَسَ الْقُرْآنَ مَعَ غَيْرِهِ لِيَفُوزُوا بِالْكَرَامَاتِ الأَرْبَعِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

خَامِساً: الْعُمْرَةُ: فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، فَانْظُرُوا -أَحِبَّتِي فِي اللهِ- لِهَذَا الْفَضْلِ، مَا أَعْظَمَهُ! وَمَا أَفْضَلَهُ!.

سَادِساً: الْجُودُ وَالْكَرَمُ : وَلَنَا فِي رَسُولِنَا صلى الله عليه وسلم الْقُدْوَةُ الْحَسَنَةُ، فَقَدْ كَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَهَذَا الْجُودُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَعَانِي الصَّدَقَةِ، وَأَعْمَالِ الْخَيْرِ، إِذِ الْجُودُ: هُوَ سَعَةُ الْعَطَاءِ وَكَثْرَتُهُ، وَهَذَا شَامِلٌ لِكَثِيرٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

سَابِعاً: تَفْطِيرُ الصَّائِمِ: فَقَدْ حَضَّ عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَثِيرَ الأَجْرِ وَعَظِيمَ الثَّوَابِ؛ فَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

ثَامِناً: تَحَرِّي الْحَلاَلِ وَتَجَنُّبُ الْحَرَامِ: فَعَلَى الْمُسْلِمِ الصَّائِمِ أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَتِجَارَتُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ مِنْ حَلاَلٍ، وَإِذَا كَانَ يَتَوَرَّعُ عَنِ الْحَرَامِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَفِي رَمَضَانَ أَوْلَى، فَلاَ مَعْنَى لأَِنْ يَصُومَ عَنِ الْحَلاَلِ وَيُفْطِرَ عَلَى الْحَرَامِ.

تَاسِعاً: تَنْظِيمُ الْوَقْتِ: فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْفَظَ أَوْقَاتَ حَيَاتِهِ الْقَصِيرَةِ الْمَحْدُودَةِ فَيَشْغَلَهَا فِيمَا يَنْفَعُهُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ الْمُتَنَوِّعَةِ، وَيَصُونَهَا عَمَّا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَخُصُوصاً أَوْقَاتَ شَهْرِ رَمَضَانَ الشَّرِيفَةَ الْفَاضِلَةَ الَّتِي لاَ تُعَوَّضُ وَلاَ تُقَدَّرُ بِكُنُوزِ الدُّنْيَا، وَهِيَ شَاهِدَةٌ لِلطَّائِعِينَ بِطَاعَاتِهِمْ، وَشَاهِدَةٌ عَلَى الْعَاصِينَ وَالْغَافِلِينَ بِمَعَاصِيهِمْ وَغَفَلاَتِهِمْ .

إِخْوَانِي الكرام : يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ الرَّاجِي رَحْمَةَ رَبِّهِ، الْخَائِفِ مِنْ عَذَابِهِ، أَنْ يُرَاقِبَ اللهَ تَعَالَى فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ؛ فِي سِرِّهِ وَعَلاَنِيَتِهِ.

وَمِنْ عَلاَمَاتِ الْقَبُولِ لُزُومُ تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي رَمَضَانَ وَبَعْدَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: )إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ([المائدة:27]، فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِمَا سَبَقَ سَبِيلُ السَّعَادَةِ فِي الدَّارَيْنِ، وَالْقَبُولِ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَبُلُوغِ التَّقْوَى الصَّادِقَةِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الأَنْبِيَاءِ إِخْوَانِهِ، وَعَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُمْ وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَيُّهَا الأَحْبَابُ الْكِرَامُ: الْوَظِيفَةُ الْكَامِلَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ حِفْظُهَا فِي شَهْرِ الصَّبْرِ وَالطَّاعَاتِ: هِيَ الْكَفُّ عَنِ الْمَسَاوِئِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الأَذَى، وَحِفْظُ الْبَاطِنِ، وَأَدَاءُ حَقِّ الظَّاهِرِ بِالاِلْتِزَامِ بِأَحْكَامِ الإِسْلاَمِ، وَاتِّبَاعِ سُّنَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فَإِصْلاَحُ الْبَاطِنِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ عِبَادَةِ الصِّيَامِ، مِنْ مُنْطَلَقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة:183]، وَاللهَ نَسْأَلُ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ لَنَا جَمِيعاً.

وَمِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي أَحُثُّ أَحِبَّتِي فِي اللهِ عَلَى الْحِرْصِ عَلَيْهَا: تَعْجِيلُ الإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ؛ فَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ؛ فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ»

 [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي بيوتنا من وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلاَيَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ، لَا رَافِعَ لِمَا وَضَعَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا وَاصِلَ لِمَا قَطَعَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْلَى مِنَ الإِنْعَامِ وَصَنَعَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ شَهَادَةَ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ واتَّبَعَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُتَّبَعُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ وَالْكُفْرُ قَدْ عَلَا وَارْتَفَعَ، فَأَهْبَطَهُ مِنْ عَلْيَائِهِ وَقَمَعَ، وَسَرَى الإِسْلَامُ مَكَانَهُ وَاتَّسَعَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَا سَجَدَ مُصَلٍّ للهِ وَرَكَعَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقَوْا اللهَ- عِبَادَ اللهِ- فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَحَافِظُوا عَلَى الفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَاحْذَرُوا الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ؛ تَفُوزُوا بِرِضْوَانٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّاتِ عَدْنٍ، قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (    [الحشر : 18] .

أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ: يَتَفَضَّلُ رَبُّنَا عَلَى عِبَادِهِ بِلَيَالٍ مُبَارَكَاتٍ ،وَمَوَاسِمَ لِلطَّاعَاتِ، فَيَغْتَنِمُ المُوَفَّقُونَ لَحَظَاتِهَا، ، وَيَتَدَارَكُ الصَّالِحُونَ سَاعَاتِهَا، فَقَدْ مَضَتْ أَكْثَرُ لَيَالِي رَمَضَانِ الخَيْرِ وَأَوْشَكَتْ عَلَى الاِرْتِحَالِ، وَأَقْبَلَتْ لَيَالِي العَشْرِ الأَخِيرَةُ الَّتي هِيَ خَيْرُ اللَّيَالِي ، وَصَفَتْ أُمُّنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا حَالَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فِيهَا فَقَالَتْ : «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَمَعَ كَثْرَةِ قِيَامِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم طَوَالَ العَامِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُ شَأْنٌ آخَرُ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي العَشْرِ، تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَيْضًا:« كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ]

وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْتَهِدُ اجْتِهَادًا خَاصًّا زِيَادَةً عَلَى العَادَةِ فِي هَذِهِ العَشْرِ، وَيَزِيدُ فِي أَنْوَاعِ العِبَادَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَقِيَامٍ وَقِرَاءَةٍ لِلْقُرْآنِ وَذِكْرٍ وَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ، فَإِنَّ مَعْنَى أَحْيَا لَيْلَهُ: اسْتَغْرَقَهُ

 بِالصَّلَاةِ وَالعِبَادَةِ، وَإِنَّ مَعْنَى أَيْقَظَ أَهْلَهُ: أَيْقَظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ، وَمَعْنَى شَدَّ مِئْزَرَهُ: هُوَ الاِجْتِهَادُ فِي العِبَادَاتِ، وَاعْتِزَالُ النِّسَاءِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ: كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ»[ رَوَاهُ أبُودَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ ].

أُمَّةَ الإِسْلَامِ: فِي العَشْرِ لَيْلَةٌ هِيَ أُمُّ اللَّيَالِي، كَثِيرَةُ البَرَكَاتِ، عَظِيمَةُ الخَيْرَاتِ، العَمَلُ فِيهَا عَظِيمٌ، وَالفَضْلُ فِيهَا كَرِيمٌ، )لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( [القدر:3]، تَشْهَدُهَا جُمُوعٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ  ، )تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ( [القدر:4]، لَيْلَةُ سَلَامٍ وَبَرَكَاتٍ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «يَكْثُرُ نُزُولُ المَلَائِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا«، وَالمَلَائِكَةُ يَنْزِلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ الْبَرَكَةِ والرَّحْمَةِ، كَمَا يَنْزِلُونَ عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ ،وَيُحِيطُيونَ بِحَلَقِ الذِّكْرِ، وَيَضَعُونَ أَجْنِحَتَهُمْ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِصِدْقٍ تَعْظِيمًا لَهُ.

سَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [رَوَاهُ أَحْمَدُ و التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْـمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

 عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الرَّابِحِينَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي هُمْ أَهْلُ القِيَامِ؛ فَهُمُ الْمَوْعُودُونَ بِوَفِيرِ العَطَاءِ وَالْمَجْزِيُّونَ بِخَيْرِ الجَزَاءِ، قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا:) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( [السجدة:16-17]، قِيلَ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ : مَا بَالُ الْمُتَهَجِّدِينَ أَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا؟ فَقَالَ: «لأَنَّهُمْ خَلَوْا بِالرَّحْمَنِ فَفَاضَ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ.«

فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الْهَيْثَمِيُّ].

وَلَا عَجَبَ أَنْ يَبْلُغَ قِيَامُ اللَّيْلِ بِالمُؤْمِنِ ذَلِكَ المَبْلَغَ؛ فَقِيَامُ اللَّيْلِ هُوَ دَأْبُ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ سَلْوَةُ الطَّائِعِينَ، حَثَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«... وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ  وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ »[ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ  رضي الله عنهوَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ وَالأَرْنَاؤُوطُ] ،وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

وَمِمَّا تَجِبُ العِنَايَةُ بِهِ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي: الحِرْصُ عَلَى أَدَاءِ صَلَاةِ القِيَامِ جَمَاعَةً، بِتَمَامِ رُكُوعِهَا وَخُشُوعِهَا كَامِلَةً مَعَ الإِمَامِ؛ لِقَوْلِهِ  صلى الله عليه وسلم :«إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

 بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِيمَا سَمِعْنَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسَتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ .

 

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ.

أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ: لَقَدْ كَانَ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ اللَّيَالِي: سُنَّةُ الاِعْتِكَافِ، وَمَقْصُودُهَا الأَعْظَمُ قَطْعُ العَلَائِقِ عَنِ الخَلَائِقِ، وَإِقْبَالُ العَبْدِ عَلَى المَعْبُودِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يَقُولُ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «كَانَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم يَعْتَـكـفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ»[ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : «أَنَّ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ] ، فَالاِعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى لَحِقَ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى. وَالْمُعْتَـكِفُ يَدْخُلُ بِكَرَمِ اللهِ وَفَضْلِهِ فِي قَوْلِهِ  صلى الله عليه وسلم: «مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْـمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ» [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَا جَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ].

قَالَ الإِمَامُ الزُّهْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «عَجَباً لِلْمُسْلِمِينَ تَرَكُوا الِاعْتِكَافَ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا تَرَكَهُ مُنْذُ قَدِمَ الـمَدِينَةَ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ».

فَافْتَقِرُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ العَشْرِ بِالاِعْتِكَافِ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، فَهُوَ دَوَاءٌ نَافِعٌ لِمُعَالَجَةِ صَدَأِ القُلُوبِ وَقَسْوَتِهَا، وَلِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَرِفْعَتِهَا؛ يَقُولُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فَضِيلَةُ الزَّمَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِكَثْرَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الفَضَائِلِ،  وَإِذَا قَرُبَ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ لَطَفَ اللهُ بِهِ، وَسَاقَ إِلَيْهِ الإِحْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَعَصَمَهُ مِنَ الشَّرِّ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَرَفْعَهُ إِلَى أَعْلَى المَرَاتِبِ بِأَسْبَابٍ لَا تَكُونُ مِنَ العَبْدِ عَلَى بَالٍ».

هَذَا وَصَلُّوا عَلَى إِمَامِ الهُدَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ الَأَنَامِ، كَمَا أَمْرَكُمْ رَبُّكـُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ([الأحزاب:56].

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلاَيَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.



الخُطْبَةُ الأُوْلَى
إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَستَغفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، ونَعَوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، وسَيّئَاتِ أعمالِنَا؛ مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَه، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَه، وأَشهَدُ أَن لا إله إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَه؛ وأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوْصِيْكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ سبحانه؛ فَهِيَ سَبَبٌ لِظُهُوْرِ البَرَكَاتِ، مِنَ الأَرضِ والسَّمَاوَات! ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنَا عَلَيهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ﴾.
عِبَادَ الله: إِنَّهُ شَهرُ الحُرِّيَّةِ، والسَّعَادَةِ القَلْبِيَّةِ، وهُوَ مُتْعَةُ الأَبرَارِ، ومَدرَسَةُ الأَحرَارِ؛ إِنَّهُ شَهْرُ رَمَضَان!.
فَإِنَّ رَمَضَانَ فُرصَةٌ لِلتَّحَرُّرِ مِنْ أَثْقَالِ الذُّنُوبِ، بِالتَّوبَةِ إلى عَلَّامِ الغُيوبِ؛ والـمَحرُوْمُ مَنْ حُرِمَ التَّوْبَة، في شَهْرِ المَغْفِرَة! قال ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» رواه الترمذي وهو حديث صحيح .
ورمضانُ فُرْصَةٌ لِلْتَّحَرُّرِ مِنْ سُؤَالِ العَبِيدِ، إلى سُؤَالِ رَبِّ العَبِيدِ! قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وهذه الآيَةُ جَاءَتْ بَيْنَ آيَاتِ الصِيَامِ! وفي هذا إِيمَاءٌ إلى أَنَّ الصَّائِمَ مَرْجُوُّ الإِجَابَةِ، وأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَرْجُوَّةٌ دَعَوَاتُهُ .
وقال ﷺ: «ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعوَةُ الصَّائِمِ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، ودَعوَةُ المُسَافِرِ» رواه أبو داوود وهو حديث صحيح.
ورمضانُ فُرصَةٌ لِتَحرِيرِ الأَروَاحِ!، فَإِنَّهُ الشَّهْرُ الَّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآن؛ لِيُحَرِّرَ الإِنسَانَ مِنْ سِجْنِ الظَّلامِ والضَّلَالَةِ، إلى نُوْرِ اليَقِيْنِ والهِدَايَةِ!. قال ﷻ: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
ورمضانُ فُرصَةٌ لِتَحرِيرِ النَّفْسِ مِنْ سِجْنِ الجَسَدِ إلى فَضَاءِ الرُّوْحِ، ومِنْ مُرَاقَبَةِ الخَلْقِ إلى مُرَاقَبَةِ الخَالِقِ!، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إِلَّا الصَّوْم، فَإِنَّهُ لِي وأَنَا أَجْزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» رواه البخاري ومسلم .
ورمضانُ فُرْصَةٌ لِلْتَّحَرُّرِ مِنْ شَرِّ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوْءِ، والفِكَاكِ مِنْ أَسْرِهَا!.
قال ﷻ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. قال المُفَسِّرُون: (هذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ؛ لِمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ)  .
ورمضانُ فُرصَةٌ لِتَحرِيرِ القَلْبِ مِنْ أَغْلَالِ الحِقْدِ والحَسَدِ، والغَضَبِ والاِنتِقَام! قال ﷺ: «إِذَا أَصبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا؛ فَلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ؛ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» رواه البخاري ومسلم.
خَلِّصْ فُؤَادَكَ مِنْ غِلٍّ ومِنْ حَسَدٍ
فَالغِلُّ في القَلْبِ مِثْلُ الغِلِّ في العُنُقِ!
ورَمَضَانُ فُرصَةٌ لِلتَّحَرُّرِ مِنْ ذُلِّ المَعصِيَةِ، إلى عِزِّ التَّقْوَى! قال ﷻ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال بعضُ السَّلَف: (ما أَخْرَجَ اللهُ عَبْدًا مِنْ ذُلِّ المَعَاصِي إِلى عِزِّ التَّقْوَى؛ إِلَّا أَغْنَاهُ بِلَا مَالٍ، وأَعَزَّهُ بِلَا عَشِيرَةٍ، وآنَسَهُ بِلَا أَنِيسٍ) .
ورمضانُ فُرصَةٌ لِتَحرِيرِ العَقلِ مِنَ التَّفْكِيرِ المَادِّيِّ الأَنَانِيِّ، ومِنَ الطَّمَعِ والبُخْلِ، إلى العَطَاءِ والبَذْلِ! فقد «كَانَ ﷺ أَجوَدَ النَّاسِ، وكَانَ أَجْوَدُ ما يَكُونُ في رَمَضَانَ» رواه البخاري ومسلم. قال ابنُ القَيِّم: (لمَّا كانَ البَخِيلُ مَحْبُوْسًا عَنِ الإِحسَانِ؛ فَهُوَ ضَيِّقُ الصَّدرِ، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ مَنَعَهُ بُخْلُهُ؛ فَبَقِيَ قَلْبُهُ في سِجْنِهِ! والمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ انْشَرَحَ قَلْبُهُ) .
ورَمَضَانُ فُرْصَةٌ لِلْتَّحَرُّرِ مِنْ إِدمَانِ التَّوَافِهِ والفُضُوْلِ، وتَرْكِ ما لا يَعْنِي؛ وقد كانَ السَّلَفُ إذا صَامُوا؛ جَلَسُوا في المَسَاجِدِ وقالوا: (نَحْفَظُ صَوْمَنَا، ولا نَغْتَابُ أَحَدًا).
ورمضانُ فُرصَةٌ لِلتَّحَرُّرِ مِنْ سُجُونِ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ؛ فإنَّ الصومَ يُعِينُ على كَسْرِ أَغْلَالِهَا، وكَبْحِ جِمَاحِهَا، وإِطْفَاءِ نِيْرَانِهَا! قال ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأَحصَنُ لِلفَرْجِ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصوم» رواه البخاري ومسلم .
ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الصَّوْمِ: نَفْسَ الجُوعِ والعَطَشِ، بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ تَطْوِيعِ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ، والاِنْتِصَارِ عَلَيْهَا ، والتَّخَلُّصِ مِنْ رِقِّهَا! قال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، والعَمَلَ بِهِ، والجَهْلَ؛ فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ» رواه البخاري .
قال ابنُ القَيِّم: (الحُرُّ المَحْضُ: هُوَ الَّذِي قَهَرَ شَهْوَتَهُ ونَفْسَهُ ومَلَكَهَا: فَانْقَادَتْ مَعَهُ، وذَلَّتْ لَهُ، ودَخَلَتْ تَحْتَ حُكْمِهِ) .
وكَثِيرٌ مِنْ فُتُوْحَاتِ المُسلِمِيْنَ؛ كَانَتْ في رَمَضَان؛ وذَلِكَ أَنَّ جِهَادَ النَّفسِ: هُوَ الجِهَادُ الأَكْبَر، وما بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْه!  قال ابنُ رَجَب: (واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ يَجْتَمِعُ لَهُ -في شَهْرِ رَمَضَانَ- جِهَادَانِ لِنَفْسِهِ: جِهَادٌ بالنَّهارِ على الصيامِ، وجِهَادٌ بِاللَّيلِ على القِيَام) .
ورَمَضَانُ فُرصَةٌ لِلتَّحَرُّرِ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ، ووَسْوَسَتِهِ لِلإِنسَانِ! قال ﷺ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» رواه البخاري ومسلم. قال شَيخُ الإِسلَامِ: (لا رَيْبَ أَنَّ الدَّمَ يَتَوَلَّدُ مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ؛ وإِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ: اتَّسَعَتْ مَجَارِي الشَّيَاطِينِ؛ وإِذَا ضَاقَتْ: انْبَعَثَتِ القُلُوبُ إلى فِعلِ الخَيرَاتِ، وتَركِ المُنكَرَاتِ) .
ومَنْ قَامَ بِحَقِّ رَمَضَانَ، واجْتَهَدَ فِيْهِ -إِيْمَانًا واحْتِسَابًا-؛ حَرِيٌّ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنَ السِّجْنِ الأَعْظَمِ: بالعِتْقِ مِنَ النِّيْرَانِ، والفَوزِ بِالجِنَانِ! فَفِي شَهرِ رَمَضَانَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: يا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، ويَا باغِيَ الشَّرِّ أَقْصِر، ولِلهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وذَلِكَ كُلّ لَيْلَةٍ» رواه الترمذي وهو حديث حسن .
فَهَذِهِ فُرصَتُكَ السَّنَوِيَّة؛ لِلوُصُولِ إلى الحُرِّيَّةِ الرُّوْحِيَّةِ، والسَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ: فَالجِنَانُ مُفَتَّحَة، والنِيْرَانُ مُغَلَّقَة، والشَّيَاطِينُ مُصَفَّدَة! قال ﷺ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِين» رواه البخاري ومسلم .
فَاغْتَنِمُوا الأَوْقَاتِ، في مَوسِمِ الخَيراتِ، وتَحَرَّرُوا مِنْ سِجنِ المَعَاصِي والمُنكَرَات، واحْذَرُوا دُعَاةَ الشَّهَوَاتِ والشُّبُهَاتِ! ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ على إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ على تَوفِيقِهِ وامتِنَانِه، وأَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه.
عبادَ الله: اعْلَمُوا أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الجُودِ والإِحسانِ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ؛ فينبغي على المسلمِ: أن يَتَفَقَّدَ المُحتاجِين؛ وأن يحذرَ من المُحتالِيْن، وأن يبدأَ في صَدَقَتِه بالـمُقَرَّبِين؛ قال ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكَيْنِ صَدَقَةٌ، وهيَ على ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وصِلَةٌ» رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
ومِنْ وصايا رمضان: الحذَرُ مِنَ التباهِي أو الإسرافِ في موائِدِ الإفطار؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وأخيرًا: فإنَّ الصيامَ ليس عذرًا في التقصيرِ في الانتظامِ الدراسيِّ، أو أداءِ العَمَلِ الوَظِيفِيِّ؛ فإنَّ طلبَ العلمِ النافع، وأداءَ واجبِ العمل؛ من أَعْظَمِ القُرُبَاتِ في هذا الشهر، إذا اسْتَحْضَرَ المسلمُ نِيَّةَ التقرُّبِ إلى الله، ونَفْعَ المسلمين، وطلبَ الحلال، والتعفّفَ عن السؤال؛ فَمَنِ اسْتَشْعَرَ هذه المعاني؛ تحوَّلَتْ حياتُه وعاداتُه إلى عبادةٍ وطاعة؛ بِبَرَكَةِ النيَّةِ الصالحة! ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
عِبَادَ اللهِ: صَلُّوا وسَلِّمُوا على رسولِ اللهِ كَمَا أَمَرَكُم اللهُ في قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلامَ والمُسلِمِينَ، وارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين: أَبِي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعَلِيّ؛ وعَنِ الصَّحَابَةِ والتابعِين، ومَنْ تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ، ونَفِّسْ كَرْبَ المَكرُوبِين، واقْضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِيْن، واشْفِ مَرضَى المسلمين.
اللَّهُمَّ آمِنَّا في أَوطَانِنَا، وأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا ووُلَاةَ أُمُورِنَا، ووَفِّقْ (وَلِيَّ أَمرِنَا ووَلِيَّ عَهْدِهِ) لِمَا تُحِبُّ وتَرضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِمَا لِلْبِرِّ والتَّقوَى.
اللَّهُمَّ أَنتَ اللهُ لا إِلَهَ إلَّا أَنتَ، أَنتَ الغَنِيُّ ونَحنُ الفُقَراء؛ أَنْزِلْ عَلَينَا الغَيثَ، ولا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَستَغفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا؛ فَأَرسِلِ السَّمَاءَ عَلَينَا مِدرَارًا.
عِبَادَ الله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، واشْكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُم ﴿ولَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.

الاستعاد لرمضان

الخُطْبَةُ الأُولَى
 
 
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ، التَّوَّابِ الْكَرِيمِ، يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَتَحَ لِعِبَادِهِ بَابَ التَّوْبَةِ وَجَعَلَهَا سَبَبَ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ اسْتِغْفَارًا وَتَوْبَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَلَى أَبْوَابِ شَهْرٍ عَظِيمٍ، وَمَوْسِمٍ مِنْ مَوَاسِمِ الْفَوْزِ وَالتِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ مَعَ اللَّهِ، شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ.
 
عِبَادَ اللَّهِ،
 
إِذَا جاء ضَيْفٌ عَزِيزٌ، رَأَيْتُمُ النَّاسَ كَيْفَ يَسْتَعِدُّونَ لَهُ؛
فَتُنَظَّفُ الْبُيُوتُ مِنْ غُبَارِهَا،
وَتُرَتَّبُ الْمَجَالِسُ وَتُطَيَّبُ،
وَتُبَدَّلُ الثِّيَابُ بِأَحْسَنِهَا،
وَتُزَالُ كُلُّ شَائِبَةٍ يُسْتَحْيَا أَنْ تَقَعَ عَلَيْهَا عَيْنُ الضَّيْفِ.
 
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الضَّيْفُ هُوَ رَمَضَانَ؟
 
شَهْرٌ لِلرَّحْمَةِ، وَبَابٌ لِلْمَغْفِرَةِ، وَفُرْصَةٌ لِلْعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ.
 
أَيَلِيقُ أَنْ نُهَيِّئَ لَهُ الْبُيُوتَ وَنَغْفُلَ عَنِ الْقُلُوبِ؟
وَأَنْ نُزَيِّنَ الْمَوَائِدَ وَنَتْرُكَ السَّرَائِرَ مُثْقَلَةً بِالذُّنُوبِ؟
 
إِنَّ الْقَلْبَ مَوْضِعُ نَظَرِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِهِ،
وَأَوْلَى مَا يُنَظَّفُ عِنْدَ قُدُومِ رَمَضَانَ:
الْقُلُوبُ مِنْ أَدْرَانِ الْمَعَاصِي،
وَالنُّفُوسُ مِنْ أَوْسَاخِ الْغَفْلَةِ،
وَالصُّدُورُ مِنْ أَمْرَاضِهَا وَأَثْقَالِهَا.
وَلَا مَاءَ يُطَهِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَّا مَاءُ التَّوْبَةِ،
وَلَا عِطْرَ يُزَكِّي السَّرِيرَةَ إِلَّا نَسِيمُ الإِنَابَةِ،
وَلَا زِينَةَ تَلِيقُ بِاسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ أَعْظَمُ مِنْ تَوْبَةٍ نَصُوحٍ خَالِصَةٍ لِلَّهِ،
تَمْحُو مَا قَبْلَهَا، وَتُصْلِحُ مَا بَعْدَهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.
 
وَالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ هِيَ الْخَالِصَةُ لِلَّهِ، لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ، تَوْبَةً صَادِقَةً مُسْتَمِرَّةً تُحَلِّقُ بِصَاحِبِهَا فِي سَمَاءِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، جَنَاحَاهَا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ؛ الرَّجَاءُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ وَالطَّمَعُ فِي مَغْفِرَتِهِ، وَالْخَوْفُ مِنْ عَذَابِهِ، تَوْبَةً صَالِحَةً رُوحُهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ وَتَعْظِيمُهُ.
 
عِبَادَ اللَّهِ،
رَمَضَانُ شَهْرُ الطَّاعَاتِ، وَلَكِنَّ الطَّاعَةَ لَا تُثْمِرُ إِلَّا بِقَلْبٍ طَاهِرٍ، وَلَا يَصْفُو الْقَلْبُ إِلَّا بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
 
تَأَمَّلُوا قَوْلَهُ: {جَمِيعًا}، فَالتَّوْبَةُ لَيْسَتْ لِلْمُذْنِبِينَ وَحْدَهُمْ، بَلْ هِيَ طَرِيقُ الصَّالِحِينَ، وَمَنْهَجُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
فَإِذَا كَانَ الْمَعْصُومُ ﷺ يُكْثِرُ مِنَ التَّوْبَةِ، فَكَيْفَ بِحَالِنَا وَنَحْنُ الْمُقَصِّرُونَ الْخَطَّاؤُونَ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
 
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،
التَّوْبَةُ النَّصُوحُ لَهَا أَرْكَانٌ تُبْنَى عَلَيْهَا:
* إِخْلَاصٌ لِلَّهِ.
* وَنَدَمٌ عَلَى مَا مَضَى.
* وَإِقْلَاعٌ عَنِ الذَّنْبِ فِي الْحَالِ.
* وَعَزْمٌ صَادِقٌ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَى الْمَعَاصِي.
* وَرَدُّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا إِنْ كَانَتْ حُقُوقًا لِلْعِبَادِ.
 
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ هِيَ انْكِسَارُ قَلْبٍ لِلَّهِ، وَدَمْعَةُ نَدَمٍ مِنْ خَشْيَتِهِ، وَتَصْحِيحُ الْمَسَارِ إِلَى تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِ.
 
يَا مَنْ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، يَا مَنْ طَالَ بِهِ التَّقْصِيرُ، اسْمَعْ نِدَاءَ رَبِّكَ:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: 53-54].
إِنَّهَا دَعْوَةُ رَجَاءٍ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ، لِيَدْخُلَ الْعَبْدُ الشَّهْرَ بِقَلْبٍ نَظِيفٍ، وَصَحِيفَةٍ بَيْضَاءَ. وَقَدْ تَابَ تَوْبَةً بَدَّلَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ الَّتِي مَنَعَتْهُ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى حَسَنَاتٍ تَرْفَعُهُ فِي دَرَجَاتِ الرِّضْوَانِ وَمَنَازِلِ الْجِنَانِ:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: 68-71].
 
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
 
 
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
 
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَنْ جَعَلَ مَوَاسِمَ الطَّاعَاتِ تَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ، وَتَصْحِيحًا لِلْمَسِيرِ، وَأَعْظَمُهَا شَهْرُ رَمَضَانَ. وَإِنَّ الْخَسَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ أَنْ يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ سَرِيعًا، وَإِنَّمَا الْخَسَارَةُ أَنْ يَنْقَضِيَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَنَا.
لَقَدْ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ يَوْمًا فَقَالَ: «آمِينَ... آمِينَ... آمِينَ».
فَلَمَّا نَزَلَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْنَا مِنْكَ الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ.
قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ».
 
بَعُدَ وَخَابَ وَخَسِرَ، وَابْتَعَدَ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، مَعَ أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَةٌ، وَأَبْوَابَ النَّارِ مُغَلَّقَةٌ، وَالشَّيَاطِينَ مُصَفَّدَةٌ!
فَأَيُّ حِرْمَانٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُدْرِكَ الْعَبْدُ شَهْرَ الْمَغْفِرَةِ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ؟
 
وَلَكِنْ — عِبَادَ اللَّهِ —
لَا يَزَالُ بَابُ الْقَبُولِ مَفْتُوحًا، وَلَا تَزَالُ يَدُ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالْعَفْوِ مَمْدُودَةً.
قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
 
فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، وَلَكِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ بَادَرَ قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ الْبَابُ، وَقَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ.
 
عِبَادَ اللَّهِ،
اسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ حَتَّى يَجِدَ الصِّيَامُ فِيهَا الْمَكَانَ اللَّائِقَ بِهِ؛ فَأَعْظَمُ التَّوْبَةِ تَوْبَةُ الْقَلْبِ مِنْ ذُنُوبِ الْقُلُوبِ الْخَفِيَّةِ؛ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ.
فَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ. وَمَنْ بَادَرَ وَسَارَعَ إِلَى التَّوْبَةِ فَقَدْ قَدَّمَ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّةِ نَفْسِهِ وَفَازَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
فَمَا أَعْظَمَ أَنْ يَدْخُلَ الْعَبْدُ رَمَضَانَ وَهُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ!
فَطُوبَى لِمَنْ دَخَلَ رَمَضَانَ بِقَلْبٍ مُنْكَسِرٍ، وَلِسَانٍ مُسْتَغْفِرٍ، وَعَيْنٍ دَامِعَةٍ، وَعَزْمٍ صَادِقٍ.
طُوبَى لِمَنْ هجرَ ذَنْبًا لَا يَعُودُ إِلَيْهِ، وَفَتَحَ صَفْحَةً بَيْضَاءَ لَا يُسَطِّرُ فِيهَا إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّهُ.
فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، فَمَنْ زَرَعَ فِيهَا الصالحاتِ حَصَدَ بَعْدَهَا الْقَبُولَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ فِي صِحَّةٍ وَإِيمَانٍ وَأَمْنٍ وَأَمَانٍ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ اللِّسَانِ، وَلَا تَجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمَحْرُومِينَ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعَل طاعتَه سبيلًا لمرضاته، وجعَل رضاه وسيلةً للفوز بجنَّاتِه، ووفَّق المؤمنينَ لعبادته، فهَجَرُوا ملذَّاتِهم وشهواتِهم وآثَرُوا مرضاتَه، أشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، حميدًا مجيدًا، شهادةً ألقى بها اللهَ وحيدًا فريدًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وكفى بالله شهيدًا، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم كثيرًا مزيدًا.

 

أما بعدُ: فإن خيرَ الحديثِ كلامُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ نبيِّنا محمدِ بنِ عبد الله، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

 

عبادَ اللهِ: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، فهي وصية الله للأولين والآخِرين، (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النِّسَاءِ: 131].

 

أيها المسلمون: طاعةُ اللهِ خيرُ مغنَمٍ ومكسَبٍ، ورضاه خير ربح ومطلب، والجنة حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)[آلِ عِمْرَانَ: 185].

 

أيها الصائمون: تقبَّل اللهُ طاعتَكم، وأصلَح حالَكم، ووفَّقَكم فيما بقي في هذا الشهر، وكتَب لكم الثباتَ على طاعته سائرَ أيامِ الدهرِ.

 

معاشرَ المسلمينَ: رمضانُ شهرُ عبادةٍ وتوبةٍ، شهرُ تقرُّبٍ وأوبةٍ، شهرُ توبةٍ ورجوعٍ، وإخلاصٍ وخشوعٍ، وسجودٍ وركوعٍ، شهرُ صيامٍ وقيامٍ، شهرُ برٍّ وإحسانٍ، وتلاوةٍ للقرآنِ.

 

أيها الصائمون: للعبادة المقبولة أثرٌ في الإيمان، فأثرُها في القلب والجَنان إصلاحُ النيةِ وتزكيةُ النفوسِ والتقوى، والإخلاصُ والخشوعُ لله الأعلى، وأثرُها في الجوارح والأركان الكفُّ عن المعاصي والمحرَّماتِ، والمثابَرةُ على فِعْل الخير والطاعات، فراقِبوا اللهَ في أعمالكم؛ فإن اللهَ لا ينظر إلى صُوَرِكم ولا إلى أجسامِكم، ولكِنْ ينظُر إلى قلوبِكم وأعمالِكم، ورُبَّ صائمٍ ليس له من صيامِه إلا العطشُ والجوعُ والنَّصَبُ، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامِه إلا السهرُ والتعبُ.

 

معاشرَ المسلمينَ: إنَّ اللهَ قد أنزَل القرآنَ في شهر رمضان فقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)[الْبَقَرَةِ: 185]، وقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[الْقَدْرِ: 1-5]، نزَل القرآنُ في ليلةِ القدرِ من رمضان، إلى بيت العزَّةِ في سماء الدنيا، ثم نزَل إلى الأرض منجَّمًا في ثلاث وعشرين سنةً، بحسب الوقائع وأسباب النزول، فقراءةُ القرآنِ في شهر نزولِه من أفضلِ القُرُباتِ، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُقبِل على قراءة القرآن في رمضان، وكان يأتيه جبريلُ في كل ليلة فيُدارِسُه القرآنَ، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريلُ، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارِسُه القرآنَ، فلَرَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريلُ أجودَ بالخير من الريح المرسَلَة"(رواه البخاري).

 

فعليكم -عبادَ اللهِ- بقراءة القرآن، عليكم بقراءة القرآن، رَتِّلُوهُ وجَوِّدُوهُ، تفهَّمُوا معانِيَه وتدبَّرُوه، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَرَأَ حرفًا من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقول: الم حرف، ولكِنْ أَلِفٌ حرفٌ، ولَامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ"(رواه الترمذيُّ وصحَّحَه)، وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن هذا القرآن مَأدُبَةُ اللهِ، فتعلَّموا من مَأْدُبَتِه ما استطعتُم، إن هذا القرآن حبلُ اللهِ والنورُ المبينُ، والشفاءُ النافعُ، عصمةٌ لمَنْ تَمَسَّكَ به، ونجاةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، لا يزيغُ فيستعتب، ولا يعوج فيُقَوَّم، ولا تنقضي عجائبُه، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرَّدِّ، فَاتْلُوهُ فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات"(رواه الطبراني).

 

وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يقال لقارئِ القرآنِ يومَ القيامةِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كما كنتَ تُرَتِّلُ في الدنيا؛ فإنَّ منزلَتَكَ عندَ آخِرِ آيةٍ تقرؤها"(رواه الترمذي)، فاقرؤوا القرآنَ -عبادَ الله- ولا تهجروه، إيَّاكم ومقاطعةَ القرآن، إيَّاكم ونسيانَ القرآن؛ فإن ذلك حسرةٌ وندامةٌ، وانتكاسٌ ومَلامَةٌ، نعوذ بالله أن نكون ممَّن يخاصمهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، في الإعراض عن القرآن عند ربِّه: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)[الْفُرْقَانِ: 30].

 

عبادَ اللهِ: القرآنُ أعظمُ ذِكْرٍ لله -عز وجل-، وتركُ قراءتِه هجرٌ له وإعراضٌ عنه، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)[طه: 124-126]، وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَثَلُ المؤمنِ الذي يقرأ القرآنَ مثلُ الأُتْرُجَّةِ؛ ريحُها طيبٌ وطعمُها طيبٌ، وَمَثَلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مَثَلُ التمرةِ؛ لا ريحَ لها وطعمُها حُلْوٌ، وَمَثَلُ المنافقِ الذي يقرأ القرآنَ مثلُ الريحانةِ؛ ريحُها طيبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المنافقِ الذي لا يقرأُ القرآنَ كَمَثَلِ الحنظلةِ؛ ليس لها ريحٌ وطعمُها مُرٌّ"(متفق عليه).

 

وقد كان السلف يحرصون على قراءةِ القرآنِ وسماعِه وتدبُّرِه، ولهم أورادٌ يوميةٌ لا يَفْتُرُونَ عنها، خصوصًا في هذا الشهر؛ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[الْبَقَرَةِ: 185]، فاحرِصوا على كثرة تلاوته، ولا تُزَاحِمْهُ الأجهزةُ والبرامجُ الملهيةُ.

 

عبادَ اللهِ: وأنتُم في هذه الظروف التَمِسُوا الدواءَ والاستشفاءَ بقراءةِ القرآنِ؛ فإنه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنينَ، اعتَكِفوا عليه في بيوتكم وفي خلواتكم وجلواتكم، اقرؤوه واسمَعُوه في سائر أوقاتكم، ومَنْ شَقَّ أو تعذَّر عليه قراءةُ القرآن فليستمِعْ إلى قراءتِه وتلاوتِه؛ فإن المستمعَ شريكٌ للقارئ في الأجر والثواب، واللهُ يقولُ: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الْأَعْرَافِ: 204].

 

بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه مِنَ الآياتِ والذِّكْر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمينَ من كل ذنب فاستغفِرُوه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله علَّام الغيوب، وغافِر الذنوب، وساتِر الخطايا والعيوب، وكاشِف الكروب، يمد يدَه بالليل ليتوبَ مسيءُ النهار، ويمد يدَه بالنهار ليتوبَ مسيءُ الليل.

 

عبادَ اللهِ: حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وَزِنُوا أعمالَكم قبلَ أن تُوزَنَ، وقبل أن يُنادَى عليكم، "إنَّما هي أعمالُكم أُحصِيها لكم، ثم أُوَفِّيكم إيَّاها، فمَنْ وَجَدَ خيرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، ومَنْ وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَه"، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزَّلْزَلَةِ: 7-8].

 

عبادَ اللهِ: قيامُ الليلِ قُرْبَةٌ لا يحافِظ عليها إلا المؤمنونَ، وسُنَّةٌ لا يَصبِر عليها إلا المتقون، الذين يبيتون لربهم سُجَّدًا وقِيَامًا، الذين قال الله فيهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[السَّجْدَةِ: 16-17]، الذين مجَّدَهُم اللهُ فقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الذَّارِيَاتِ: 15-18].

 

عبادَ اللهِ: وقتُ التهجدِ من الليل أفضلُ أوقاتِ القُرَبِ، قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا)[الْمُزَّمِّلِ: 6]، وهو وقتٌ يَنزِلُ اللهُ فيه إلى سماء الدنيا ينادي: "هل مِنْ داعٍ فأستجيبَ له؟ هل مِنْ مستغفرٍ فأغفرَ له؟ هل مِنْ تائبٍ فأتوبَ عليه؟"، وهو وقتٌ تُفَتَّح فيه أبوابُ السماءِ، ويستجاب فيه الدعاءُ، وأعظمُ قُرْبَةٍ يتقرَّب بها المؤمنُ في هذا الوقت قراءةُ القرآنِ والصلاةُ، وأقربُ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجِدٌ، (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)[الزُّمَرِ: 9].

 

معاشرَ المسلمينَ: وأفضلُ القيامِ قيامُ رمضانَ؛ فهو من آكَدِ السُّنَنِ، ومِنْ أفضلِ النوافلِ، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومَنْ قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه"، وعن عروة بن الزبير -رضي الله عنه- أن أمَّ المؤمنينَ عائشةَ -رضي الله عنها- أخبرَتْه أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- خرَج من جوف الليل فصلَّى في المسجد، فصلَّى رجالٌ بصلاته، فأصبَح الناسُ يتحدثون بذلك؛ فاجتمع أكثرُ منهم، فخرَج رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في الليلة الثانية، فصلَّوْا بصلاتِه، فأصبح الناسُ يذكرون ذلك، فكَثُرَ أهلُ المسجد من الليلة الثالثة، فخرَج فصَلَّوْا بصلاتِه، فلمَّا كانت الليلة الرابعة عجَز المسجدُ عن أهله، فلم يخرج إليهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فَطَفِقَ رجالٌ منهم يقولون: الصلاةَ الصلاةَ، فلم يخرج إليهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى خرَج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجرَ أقبل على الناس ثم تشهَّد فقال: أما بعدُ، فإنَّه لم يَخْفَ عليَّ شأنُكم الليلةَ، ولكني خشيتُ أن تُفرَض عليكم صلاةُ الليلِ فتعجَزُوا عنها"(رواه مسلم)، فكان الناس بعد ذلك يُصَلُّونَ أوزاعًا وفُرَادَى، حتى جاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فجَمَعَهم على قارئٍ واحدٍ، فعن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ أنه قال: "خرجتُ مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في رمضان إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرِّقونَ، يصلِّي الرجلُ لنفسه، ويصلِّي الرجلُ ويصلِّي بصلاتِه الرهطُ، فقال عمرُ: واللهِ إني لَأراني لو جمعتُ هؤلاء على قارئٍ واحدٍ لكانَ أَمْثَلَ، فجمَعَهم على أُبَيِّ بنِ كعبٍ".

 

وبعدُ عبادَ اللهِ: فمَن كان نيتُه صادقةً في العزم على الصلاة في أحد الحرمين أو غيرهما من المساجد، وتعذَّر عليه ذلك أو حال دونَه أمرٌ فصلَّى في بيته فإن أجرَه تامٌّ مكتوبٌ له إن شاء الله، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"، ويقول: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا"، وقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا دنا من المدينة رَاجِعًا من غزوة تبوك: "إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ما سرتُم مسيرًا، ولا قطعتُم واديًا، إلَّا شَرَكُوكُمْ في الأجر. قالوا: يا رسولَ اللهِ: وَهُمْ بالمدينةِ؟ قال: وَهُمْ بالمدينةِ؛ حبَسَهم العذرُ"، فهنيئًا لمن حبسهم العذرُ، أجزَل اللهُ لهم العطيةَ وأتمَّ الأجرَ، وهنيئًا لمَن صدَقُوا اللهَ في العزم والنيات، فرَفَع لهم الدرجاتِ، وحطَّ عنهم الخطيئاتِ، وهنيئًا لمَن كتَب اللهُ لهم أجرَ العمل الصالح، بِصِدْقِ نِيَّاتِهِمْ ولم تفعله منهم الجوارحُ.

 

اللهم إنَّكَ ملاذُنا وملجؤنا، لا ملجأَ لنا منكَ إلا إليكَ، عليكَ توكَّلْنا وإليكَ أَنَبْنَا وإليكَ المصيرُ، نسألُكَ العافيةَ في الدنيا والآخرة، اللهم إنَّا نسألُكَ العفوَ والعافيةَ، في ديننا ودنيانا، وأهلنا وأموالنا، اللهم استُر عوراتِنا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتِكَ أن نغتالَ من تحتنا، اللهم أنتَ الملتجا ومنك الرجا، نعوذ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ومن شرِّ كلِّ دابةٍ أنتَ آخِذٌ بناصِيَتِها، اللهم اكْلَأْنَا بحفظِكَ ورعايتِكَ، وأَعِذْنا من سَخَطِكَ وبلائِكَ، ولا تُسَلِّطْ علينا ما لا طاقةَ لنا به.

 

اللهم إنَّا نعوذ برضاكَ من سخطِكَ، ونعوذ بمعافاتِكَ من عقوبتِكَ، ونعوذ بكَ منكَ لا نُحصِي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ، اللهم أنتَ أعلمُ بحالنا وضَعْفِنا، وعَجْزِنا وفَقْرِنا، فلا تَكِلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عينٍ، اللهم فاحفظنا من كل شيطان رجيم، وعدوٍّ أثيمٍ، ومن كلِّ بلاءٍ وداءٍ أليمٍ، اللهم ارْفَعْ عنَّا البلاءَ والوباءَ والربا والفتن، وَأَعِذْنَا من السنينَ والمحنِ، ومن الخوف والرعب والقلق واليأس والوهن، اللهم اخْتِمْ بالصالحاتِ آجالَنا، وبالشهادتينِ أعمالَنا، وَاقْسِمْ لنا من السعادة أوفرَ حظٍّ وأعظمَ نصيبٍ في الدارينِ، اللهم رَجَوْنَاكَ وأنتَ الكريمُ، اللهم رجوناكَ وأنتَ الكريمُ، مُنَّ علينا في الحياة بإحسانِكَ، ولا تَقْطَعْ بِرَّكَ عنَّا بعدَ المماتِ، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.